ابن قيم الجوزية

308

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

واللّه تعالى يحبّ التوابين . والتوبة من أحبّ الطاعات إليه ، ويكفي في محبتها شدة فرحه بها ، كما في صحيح مسلم « 1 » عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قال اللّه عز وجل : « أنا عند ظنّ عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني ، واللّه ! للّه أفرح بتوبة عبده من أحدكم ، يجد ضالّته في الفلاة » . وفي الصحيحين « 2 » من حديث عبد اللّه بن مسعود ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « للّه أشدّ فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دويّة مهلكة ، معه راحلته ، عليها طعامه وشرابه ، فنام ، فاستيقظ وقد ذهبت ، فطلبها حتى أدركه العطش ، ثم قال : أرجع إلى المكان الذي كنت فيه ، فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ وعنده راحلته ، عليها زاده وطعامه وشرابه ، فاللّه أشدّ فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده » . وفي صحيح مسلم « 3 » عن النعمان بن بشير ، يرفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « للّه أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير . ثم سار حتى كان بفلاة ، فأدركته القائلة ، فنزل فقال « 4 » تحت شجرة ، فغلبته عينه ، وانسلّ بعيره ، فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ، ثم سعى شرفا ثانيا ، ثم سعى شرفا ثالثا فلم ير شيئا ، فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه ، فبينا هو قاعد فيه إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده ، فاللّه أشدّ فرحا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره » . فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها ، فإن

--> ( 1 ) مسلم ( 2675 ) . ( 2 ) البخاري ( 6308 ) ومسلم ( 2744 ) . ( 3 ) مسلم ( 2745 ) . ( 4 ) قال : نام ساعة القيلولة ( عند الظهيرة ) .